رق
رقيقة المشاعر
2014/03/28 · #1
بسم الله الرحمن الرحيم
===============
النبذة : إن التنبيهات قبل الأعراس في غاية الأهمية، واتخاذ الاحتياطات لمنع وقوع المحرمات في الأعراس أمر مهم جداً، أما أن تنفلت الأمور، ويترك الحبل على الغارب، ويدخل الرجال، ويدخل الزوج على النساء، والكاميرات تعمل، والمصورون الكفار والمسلمون بأنواع الكميرات الرقمية، وغير الرقمية، ثم نفاجأ بأن صور النساء عند فلان وفلان.
عناصر المادة :
أحكام الوليمة في الإسلام:
حكم إجابة دعوة الوليمة:
آداب حضور وليمة النكاح:
بين وليمة اليوم ووليمة الأمس:
من منكرات الأفراح:
من عجائب الولائم:
من فرحة إلى قلق:
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
أحكام الوليمة في الإسلام:
فالحمد لله الذي أعلا منار الحنيفية التي جعل في جملتها النكاح، وأشرع لمن انتهك حدود حرمتها سمر الرماح، وبيض الصفاح، والنكاح جنة يتقى بها الفتنة، وجنة يتنسم ضلالها هذا الذي خلقه الله عز وجل، وجعل له من نفسه زوجاً ليسكن إليها، وقال صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني، النكاح من سنتي؛ فمن لم يعمل بسنتي فليس مني) ، ولا شك أن للزواج فرحته وبهجته، وللزواج قيمته ونعمته، وقد جاءت الشريعة الغراء لتقرر هذه الحقيقة، وتوجب على الزوج أن يتقي ربه في النكاح.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوليمة له، فلما خطب علي رضي الله عنه فاطمة "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه لا بد للعرس من وليمة)، فقال سعد رضي الله عنه: علي كبش، وقال فلان: علي كذا وكذا من ذرة، وجمع له رهط من الأنصار أصوعاً ذرة" ، وهكذا كانت وليمة علي رضي الله عنه، ولما تزوج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (تزوجت؟) قال: نعم، قال: (ومن؟) قال: امرأة من الأنصار، قال: (كم سقت؟) قال: زنة نواة من ذهب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أولم ولو بشاة) .
وهكذا كانت الوليمة في الإسلام من الولم، وهو الاجتماع؛ لأنه يجمع الزوجين، فلذلك كانت الوليمة التي يجتمع الناس فيها لأجل اجتماع الزوجين، فهي للعرس كما أن الخرص للولادة، والإعذار للختان، والوكيرة للبناء، والنقيعة لقدوم المسافر، والعقيقة لسابع المولود، والوضيمة وهي طعام محرم عند المصيبة يفعل، والمؤدبة الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب
، وقد ذهب كثير من العلماء إلى وجوب الإجابة لوليمة العرس.
والوليمة مشروعة مأمور بها أصلاً، والإجابة إليها مأمور بها بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ائتوا الدعوة إذا دعيتم) ، (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) هكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (شر الطعام طعام الوليمة يُمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصا الله ورسوله) ، فالفقراء الذين يحتاجون إلى الطعام يمنعون في كثير من الأحيان، والأغنياء الذين لا يحتاجون إلى الطعام يُدعون؛ ولذلك ذم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفعل، ومع ذلك أمر بإجابة الدعوة، وشدد في ذلك، وهذا واضح من حرص الإسلام وهذه الشريعة على مشاركة المسلم لأخيه المسلم فرحته، وأن يكون معه في هذه المناسبة العظيمة في عمره، إذ قد لا يتكرر عليه مثلها.
ووقت إقامة وليمة العرس موسع يبدأ من عقد النكاح إلى انتهاء العرس، فكل ذلك وقت صحيح لإقامة الوليمة.
وقوله لعبد الرحمن بن عوف: (أولم ولو بشاة) فيه دليل على مشروعية ألا ينقص عن شاة، أي: للموسر، وقد أولم النبي صلى الله عليه وسلم بغير اللحم كما جاء في عرسه على صفية، فإنه أولم لهم بطعام ليس فيه لحم، ولما تيسر له اللحم في عرس زينب أشبعهم خبزاً ولحماً، فهي بحسب حال الزوج؛ ولذلك ليس لها حد محدود، ومقدار معين بحسب المقدرة، ولا يعاب على من قل طعامه لقلة ذات يده، ولا يذم الذي فعل ما يقدر عليه، وقد أولم النبي صلى الله عليه وسلم في عرسه بصفية بحيس، وهو الدقيق والسمن والأقط الذي خلط بعضه ببعض، وبسط للناس ليأكلوا منه.
ويستحب الدعاء للمتزوج بالدعاء المشهور المعروف، وفيه تمني الخير من المسلم لأخيه المسلم، أن يبارك الله له فيما فعل، وأن يجمع بينه وبين زوجته على خير، وليس على شر، في خير وطاعة، وليس في معصية وفسق: (بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير) من الوئام، وحسن العشرة، ونحو ذلك.
والتكلف في الولائم مذموم، والإسراف منهي عنه بنص كتاب الله عز وجل.
أيها الإخوة، إن إجابة الولائم، وهذه أيامها في الغالب لكثير من الناس يجعلونها بعد اختبارات الطلاب، وقبل أسفار الإجازات، هذه الإجابة واجبة عند كثير من العلماء لا يتخلف عنها المسلم إلا لعذر شرعي.
حكم إجابة دعوة الوليمة:
ومن الأشياء التي تسقط وجوب الإجابة: أن يخص الأغنياء، فإذا وقع التخصيص فلا تجب الدعوة للذم المذكور في الحديث، فإن شاء أتى، وإن شاء لم يأت، وأن تكون هي الوليمة الأولى للعرس؛ لأن بعض الناس قد يولمون في اليوم الثاني والثالث، وهكذا؛ لأن بعض الناس ربما جعل الطعام أياماً متواليات يقصد به المباهاة، وأن يتحدث الناس به، وإذا صار الطعام طعام مباهاة وافتخار، فإنها نية فاسدة، إذن الوجوب للحضور في الوليمة الأولى، وليس لما يحدث بعدها من الولائم، فإن شاء حضر، وإن شاء لم يحضر فيما بعدها مما يعمل صبيحة اليوم التالي مثلاً إلا إذا كان طعام رياء ومفاخرة، فإنه يترك حضوره تأديباً لمن فعله.
وكذلك مما يُسقط الوجوب أن يكون هناك منكر في مكان الدعوة، فإذا كان منكر يستطيع تغييره حضر وغيره، وإن كان لا يستطيع تغييره فإنه لا يحضر؛ لأنه لا يجوز لمسلم أن يقعد في مكان يحدث المنكر فيه أمامه، وهو ساكت شيطان أخرس لا يغير شيئاً، وهذا المعنى قد أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار عليها الخمر) كيف يرى المنكر ويسكت؟ كيف يجلس ويسكت؟ والخمر مثال، وإلا فإن المنكرات كثيرة، كالمعازف والطبول، والعود والمزمار والربابة، وغيرها من أنواع الأدوات الموسيقية، وكذلك سجاجيد الحرير الطبيعي مثلاً، أو الاختلاط الحاصل في الصالة في مكان الجلوس، ونحو ذلك من المنكرات، فإذا حصل المنكر في المكان ينكِر فإن استجيب له، وإلا انصرف، وبهذا يكون قد برأ ذمته إذا فوجئ بالمنكر، وهو جالس، أن ينكره بأسلوب طيب فإن استجيب له، وإلا انصرف.
ومن شروط وجوب الإجابة أن يكون الداعي مسلماً، فإذا لم يكن الداعي لوليمة الزفاف مسلماً لم تجب إجابته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حق المسلم على المسلم...) الحديث.
ومن شروط إجابة وجوب الإجابة أن يكون الداعي من غير العصاة المجاهرين بالمعصية الذين يهجرون لمعصيتهم، فإن كان مجاهراً بفسق معروف بالفسق بين الناس، فإن من هجره عدم إجابة دعوة طعام الوليمة له.
وكذلك من شروط الوجوب أن يكون الطعام مباحاً، وألا تتضمن إجابة الدعوة إسقاط واجب، فقد ينشغل الإنسان بأمر واجب مع والديه مثلاً.
وكذلك ألا تتضمن ضرراً على المدعو، مثل أن يحتاج لإجابة الدعوة إلى سفر يقطعه عن أهله وأولاده، ويضرهم سفره، ونحو ذلك من التكلفة المالية التي تضر به، فهنا لا تجب الإجابة.
وإذا صارت الدعوة جفلة -أي: لم يخصك بالدعوة-، وإنما دعا الناس عموماً، وجعلها هكذا في مكان مفتوح، وقال: من شاء أن يأتي فليأت، هلموا أيها الناس، فلم يخصك بالدعوة فلا يجب عليك الحضور، إن جئت فحسن وأنت مأجور، وإن لم تأت فلا إثم عليك، أما إذا خصك بالدعوة ببطاقة أو هاتف، ونحو ذلك من أنواع الاتصال أرسله إليك باسمك بعينك يقصدك، فيتوجب الحضور إذا لم يكن هناك ما يمنع منه شرعاً.
ومن شروط الوجوب أيضاً ألا تكون الدعوة لشخص خوفاً منه، أو إحراجاً، فإذا كان دعاك لأنه يخاف من عدم دعوتك، كمديره في العمل، ونحو ذلك، لا يريد أن يدعوه لكن يخشى بطشه، أو يخشى سلاطة لسانه لو لم يدعه، فعند ذلك لا تجب الإجابة على هذا المدعو؛ لأنه إنما دعي خوفاً منه، أو من شره، وسلاطته، أو إحراجاً كما يحدث اليوم في بعض الأعراس محددة المقاعد في الصالات فإنه ربما يشعر الداعي بالحرج؛ لأن فلاناً طلب أن يدعى، أو قال: لماذا لم أدع؟ وهذا قد حدد مقاعد معينة، وربما أرهقه مالياً، أو لا يتحمل المكان مثلاً هذا العدد الكبير من الناس، فهو يخشى أن يدعو فلاناً وفلاناً لما يحدث من الضرر عليه مالياً، أو عدم اتساع المكان، فهذا لو اضطر لدعوتهم إحراجاً لا يجب عليهم الحضور؛ لأنهم إنما دعوا تحت الضغط، ولم يكن عن مسرة وإرادة من الداعي.
وكذلك يسقط الوجوب إذا كانت على من دُعيَ طمعاً في جاهه، أو إعانته على الباطل، أو التزلف والمنافقة إليه، فإذا عرف المدعو أنه إنما دُعي رشوة، أو دُعي لكي يستعان بالدعوة على عقد محرم، أو باطل يتفق عليه فيما بعد، أو للتزلف والمنافقة إليه، فلا يجب عليه الحضور أيضاً.
وكذلك فإن من يُتأذى بمجلسه يسقط وجوب إجابته، من يدعو فسَّاقاً ومجاناً وأصحاب ألسنة فاحشة، لو حضرت في دعوة الوليمة لآذوا سمعك بما يقولونه من الكلام البذيء المنحط، فعند ذلك لا يُلزم المسلم بالحضور دعوة فيها هؤلاء السفلة والسفهاء الذين لا يكفون عن إيذاء الجالسين بكلامهم البذيء الفاحش.
وكذلك أن يكون مال الداعي حلالاً، فإذا كان مال الداعي حراماً سقط وجوب إجابته.
وأيضاً فإن كل ما يكون عذراً في سقوط وجوب الجماعة يكون عذراً في سقوط إجابة الدعوة، كالمرض، وشدة الريح أو المطر الذي يبل الثياب، أو الاشتغال بتجهيز ميت، أو إطفاء حريق، والاشتغال بتمريض مريض وخدمته، ونحو ذلك، فهذا من الضوابط التي يعرف بها متى تجب الإجابة، ومتى تسقط أيضاً.
ولو دعي الإنسان لأكثر من وليمة فإنه يجيب السابق منها، من وصل دعوته أولاً، فإن وصلت الدعوتان في وقت واحد رجح بسبب من أسباب الترجيح الشرعية، كالأقرب رحماً، أو الأقرب داراً، ونحو ذلك.
ومما يزيل الحرج في الإتيان الاعتذار، إذا قبله الداعي، فلو اعتذرت إليه فقبل العذر فلا حرج عليك في عدم الحضور.
كل هذا أيها الإخوة فيه بيان واضح، كل الذي ذكره العلماء لقضية المشاركة أهمية المشاركة الوجدانية من المسلم لأخيه المسلم في هذا الفرح، وهذه المناسبة العمرية.
آداب حضور وليمة النكاح:
أيها الإخوة، إنه ليس من الأدب إطالة الجلوس بعد الطعام؛ لأن الله قال: فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا سورة الأحزاب:53
إلا إذا رغب صاحب الدعوة بالجلوس بعد الطعام، وأما حضور الوليمة بدون دعوة فإنه محرم أن يأتي الإنسان إلى وليمة لم يدع إليها فهو كالسارق، وهؤلاء الطفيليون الذين يحضرون إلى طعام لم يدعون إليه يدخلون كالسراق، يدخلون كالمغيرين، ويخرجون كالسراق؛ ولذلك إذا كنت ستأتي إلى وليمة ومعك شخص لم يدع، وأنت قد دعيت فاستأذن له، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر صاحب الدعوة أن معهم بالباب رجل إن أذن صاحب الدعوة دخل وإلا رجع، اللهم إلا إذا علمت أن صاحب الدعوة سيفرح إذا أتيت معك بشخص، أو أشخاص آخرين، أو قال: تعال وهات معك من تحب، فعند ذلك لا بأس أن تأتي بمن معك؛ لأن الدعوة قد فتحت بهذا الإذن الذي ذكره لك صاحب الدعوة.
ومع الأسف فإنه يحصل هناك عدد من أنواع التحايل في قضية الدخول من الحيل المحظورة غير الشرعية، وخصوصاً عند النساء، والكيد بينهن ومنهن عظيم كما قال الله، وربما دخلت واحدة ببطاقة والأخرى بالمظروف، ومثل هذا التحايل لا يجوز شرعاً
===============
النبذة : إن التنبيهات قبل الأعراس في غاية الأهمية، واتخاذ الاحتياطات لمنع وقوع المحرمات في الأعراس أمر مهم جداً، أما أن تنفلت الأمور، ويترك الحبل على الغارب، ويدخل الرجال، ويدخل الزوج على النساء، والكاميرات تعمل، والمصورون الكفار والمسلمون بأنواع الكميرات الرقمية، وغير الرقمية، ثم نفاجأ بأن صور النساء عند فلان وفلان.
عناصر المادة :
أحكام الوليمة في الإسلام:
حكم إجابة دعوة الوليمة:
آداب حضور وليمة النكاح:
بين وليمة اليوم ووليمة الأمس:
من منكرات الأفراح:
من عجائب الولائم:
من فرحة إلى قلق:
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
أحكام الوليمة في الإسلام:
فالحمد لله الذي أعلا منار الحنيفية التي جعل في جملتها النكاح، وأشرع لمن انتهك حدود حرمتها سمر الرماح، وبيض الصفاح، والنكاح جنة يتقى بها الفتنة، وجنة يتنسم ضلالها هذا الذي خلقه الله عز وجل، وجعل له من نفسه زوجاً ليسكن إليها، وقال صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني، النكاح من سنتي؛ فمن لم يعمل بسنتي فليس مني) ، ولا شك أن للزواج فرحته وبهجته، وللزواج قيمته ونعمته، وقد جاءت الشريعة الغراء لتقرر هذه الحقيقة، وتوجب على الزوج أن يتقي ربه في النكاح.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوليمة له، فلما خطب علي رضي الله عنه فاطمة "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه لا بد للعرس من وليمة)، فقال سعد رضي الله عنه: علي كبش، وقال فلان: علي كذا وكذا من ذرة، وجمع له رهط من الأنصار أصوعاً ذرة" ، وهكذا كانت وليمة علي رضي الله عنه، ولما تزوج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (تزوجت؟) قال: نعم، قال: (ومن؟) قال: امرأة من الأنصار، قال: (كم سقت؟) قال: زنة نواة من ذهب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أولم ولو بشاة) .
وهكذا كانت الوليمة في الإسلام من الولم، وهو الاجتماع؛ لأنه يجمع الزوجين، فلذلك كانت الوليمة التي يجتمع الناس فيها لأجل اجتماع الزوجين، فهي للعرس كما أن الخرص للولادة، والإعذار للختان، والوكيرة للبناء، والنقيعة لقدوم المسافر، والعقيقة لسابع المولود، والوضيمة وهي طعام محرم عند المصيبة يفعل، والمؤدبة الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب
، وقد ذهب كثير من العلماء إلى وجوب الإجابة لوليمة العرس.
والوليمة مشروعة مأمور بها أصلاً، والإجابة إليها مأمور بها بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ائتوا الدعوة إذا دعيتم) ، (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) هكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (شر الطعام طعام الوليمة يُمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصا الله ورسوله) ، فالفقراء الذين يحتاجون إلى الطعام يمنعون في كثير من الأحيان، والأغنياء الذين لا يحتاجون إلى الطعام يُدعون؛ ولذلك ذم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفعل، ومع ذلك أمر بإجابة الدعوة، وشدد في ذلك، وهذا واضح من حرص الإسلام وهذه الشريعة على مشاركة المسلم لأخيه المسلم فرحته، وأن يكون معه في هذه المناسبة العظيمة في عمره، إذ قد لا يتكرر عليه مثلها.
ووقت إقامة وليمة العرس موسع يبدأ من عقد النكاح إلى انتهاء العرس، فكل ذلك وقت صحيح لإقامة الوليمة.
وقوله لعبد الرحمن بن عوف: (أولم ولو بشاة) فيه دليل على مشروعية ألا ينقص عن شاة، أي: للموسر، وقد أولم النبي صلى الله عليه وسلم بغير اللحم كما جاء في عرسه على صفية، فإنه أولم لهم بطعام ليس فيه لحم، ولما تيسر له اللحم في عرس زينب أشبعهم خبزاً ولحماً، فهي بحسب حال الزوج؛ ولذلك ليس لها حد محدود، ومقدار معين بحسب المقدرة، ولا يعاب على من قل طعامه لقلة ذات يده، ولا يذم الذي فعل ما يقدر عليه، وقد أولم النبي صلى الله عليه وسلم في عرسه بصفية بحيس، وهو الدقيق والسمن والأقط الذي خلط بعضه ببعض، وبسط للناس ليأكلوا منه.
ويستحب الدعاء للمتزوج بالدعاء المشهور المعروف، وفيه تمني الخير من المسلم لأخيه المسلم، أن يبارك الله له فيما فعل، وأن يجمع بينه وبين زوجته على خير، وليس على شر، في خير وطاعة، وليس في معصية وفسق: (بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير) من الوئام، وحسن العشرة، ونحو ذلك.
والتكلف في الولائم مذموم، والإسراف منهي عنه بنص كتاب الله عز وجل.
أيها الإخوة، إن إجابة الولائم، وهذه أيامها في الغالب لكثير من الناس يجعلونها بعد اختبارات الطلاب، وقبل أسفار الإجازات، هذه الإجابة واجبة عند كثير من العلماء لا يتخلف عنها المسلم إلا لعذر شرعي.
حكم إجابة دعوة الوليمة:
ومن الأشياء التي تسقط وجوب الإجابة: أن يخص الأغنياء، فإذا وقع التخصيص فلا تجب الدعوة للذم المذكور في الحديث، فإن شاء أتى، وإن شاء لم يأت، وأن تكون هي الوليمة الأولى للعرس؛ لأن بعض الناس قد يولمون في اليوم الثاني والثالث، وهكذا؛ لأن بعض الناس ربما جعل الطعام أياماً متواليات يقصد به المباهاة، وأن يتحدث الناس به، وإذا صار الطعام طعام مباهاة وافتخار، فإنها نية فاسدة، إذن الوجوب للحضور في الوليمة الأولى، وليس لما يحدث بعدها من الولائم، فإن شاء حضر، وإن شاء لم يحضر فيما بعدها مما يعمل صبيحة اليوم التالي مثلاً إلا إذا كان طعام رياء ومفاخرة، فإنه يترك حضوره تأديباً لمن فعله.
وكذلك مما يُسقط الوجوب أن يكون هناك منكر في مكان الدعوة، فإذا كان منكر يستطيع تغييره حضر وغيره، وإن كان لا يستطيع تغييره فإنه لا يحضر؛ لأنه لا يجوز لمسلم أن يقعد في مكان يحدث المنكر فيه أمامه، وهو ساكت شيطان أخرس لا يغير شيئاً، وهذا المعنى قد أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار عليها الخمر) كيف يرى المنكر ويسكت؟ كيف يجلس ويسكت؟ والخمر مثال، وإلا فإن المنكرات كثيرة، كالمعازف والطبول، والعود والمزمار والربابة، وغيرها من أنواع الأدوات الموسيقية، وكذلك سجاجيد الحرير الطبيعي مثلاً، أو الاختلاط الحاصل في الصالة في مكان الجلوس، ونحو ذلك من المنكرات، فإذا حصل المنكر في المكان ينكِر فإن استجيب له، وإلا انصرف، وبهذا يكون قد برأ ذمته إذا فوجئ بالمنكر، وهو جالس، أن ينكره بأسلوب طيب فإن استجيب له، وإلا انصرف.
ومن شروط وجوب الإجابة أن يكون الداعي مسلماً، فإذا لم يكن الداعي لوليمة الزفاف مسلماً لم تجب إجابته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حق المسلم على المسلم...) الحديث.
ومن شروط إجابة وجوب الإجابة أن يكون الداعي من غير العصاة المجاهرين بالمعصية الذين يهجرون لمعصيتهم، فإن كان مجاهراً بفسق معروف بالفسق بين الناس، فإن من هجره عدم إجابة دعوة طعام الوليمة له.
وكذلك من شروط الوجوب أن يكون الطعام مباحاً، وألا تتضمن إجابة الدعوة إسقاط واجب، فقد ينشغل الإنسان بأمر واجب مع والديه مثلاً.
وكذلك ألا تتضمن ضرراً على المدعو، مثل أن يحتاج لإجابة الدعوة إلى سفر يقطعه عن أهله وأولاده، ويضرهم سفره، ونحو ذلك من التكلفة المالية التي تضر به، فهنا لا تجب الإجابة.
وإذا صارت الدعوة جفلة -أي: لم يخصك بالدعوة-، وإنما دعا الناس عموماً، وجعلها هكذا في مكان مفتوح، وقال: من شاء أن يأتي فليأت، هلموا أيها الناس، فلم يخصك بالدعوة فلا يجب عليك الحضور، إن جئت فحسن وأنت مأجور، وإن لم تأت فلا إثم عليك، أما إذا خصك بالدعوة ببطاقة أو هاتف، ونحو ذلك من أنواع الاتصال أرسله إليك باسمك بعينك يقصدك، فيتوجب الحضور إذا لم يكن هناك ما يمنع منه شرعاً.
ومن شروط الوجوب أيضاً ألا تكون الدعوة لشخص خوفاً منه، أو إحراجاً، فإذا كان دعاك لأنه يخاف من عدم دعوتك، كمديره في العمل، ونحو ذلك، لا يريد أن يدعوه لكن يخشى بطشه، أو يخشى سلاطة لسانه لو لم يدعه، فعند ذلك لا تجب الإجابة على هذا المدعو؛ لأنه إنما دعي خوفاً منه، أو من شره، وسلاطته، أو إحراجاً كما يحدث اليوم في بعض الأعراس محددة المقاعد في الصالات فإنه ربما يشعر الداعي بالحرج؛ لأن فلاناً طلب أن يدعى، أو قال: لماذا لم أدع؟ وهذا قد حدد مقاعد معينة، وربما أرهقه مالياً، أو لا يتحمل المكان مثلاً هذا العدد الكبير من الناس، فهو يخشى أن يدعو فلاناً وفلاناً لما يحدث من الضرر عليه مالياً، أو عدم اتساع المكان، فهذا لو اضطر لدعوتهم إحراجاً لا يجب عليهم الحضور؛ لأنهم إنما دعوا تحت الضغط، ولم يكن عن مسرة وإرادة من الداعي.
وكذلك يسقط الوجوب إذا كانت على من دُعيَ طمعاً في جاهه، أو إعانته على الباطل، أو التزلف والمنافقة إليه، فإذا عرف المدعو أنه إنما دُعي رشوة، أو دُعي لكي يستعان بالدعوة على عقد محرم، أو باطل يتفق عليه فيما بعد، أو للتزلف والمنافقة إليه، فلا يجب عليه الحضور أيضاً.
وكذلك فإن من يُتأذى بمجلسه يسقط وجوب إجابته، من يدعو فسَّاقاً ومجاناً وأصحاب ألسنة فاحشة، لو حضرت في دعوة الوليمة لآذوا سمعك بما يقولونه من الكلام البذيء المنحط، فعند ذلك لا يُلزم المسلم بالحضور دعوة فيها هؤلاء السفلة والسفهاء الذين لا يكفون عن إيذاء الجالسين بكلامهم البذيء الفاحش.
وكذلك أن يكون مال الداعي حلالاً، فإذا كان مال الداعي حراماً سقط وجوب إجابته.
وأيضاً فإن كل ما يكون عذراً في سقوط وجوب الجماعة يكون عذراً في سقوط إجابة الدعوة، كالمرض، وشدة الريح أو المطر الذي يبل الثياب، أو الاشتغال بتجهيز ميت، أو إطفاء حريق، والاشتغال بتمريض مريض وخدمته، ونحو ذلك، فهذا من الضوابط التي يعرف بها متى تجب الإجابة، ومتى تسقط أيضاً.
ولو دعي الإنسان لأكثر من وليمة فإنه يجيب السابق منها، من وصل دعوته أولاً، فإن وصلت الدعوتان في وقت واحد رجح بسبب من أسباب الترجيح الشرعية، كالأقرب رحماً، أو الأقرب داراً، ونحو ذلك.
ومما يزيل الحرج في الإتيان الاعتذار، إذا قبله الداعي، فلو اعتذرت إليه فقبل العذر فلا حرج عليك في عدم الحضور.
كل هذا أيها الإخوة فيه بيان واضح، كل الذي ذكره العلماء لقضية المشاركة أهمية المشاركة الوجدانية من المسلم لأخيه المسلم في هذا الفرح، وهذه المناسبة العمرية.
آداب حضور وليمة النكاح:
أيها الإخوة، إنه ليس من الأدب إطالة الجلوس بعد الطعام؛ لأن الله قال: فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا سورة الأحزاب:53
إلا إذا رغب صاحب الدعوة بالجلوس بعد الطعام، وأما حضور الوليمة بدون دعوة فإنه محرم أن يأتي الإنسان إلى وليمة لم يدع إليها فهو كالسارق، وهؤلاء الطفيليون الذين يحضرون إلى طعام لم يدعون إليه يدخلون كالسراق، يدخلون كالمغيرين، ويخرجون كالسراق؛ ولذلك إذا كنت ستأتي إلى وليمة ومعك شخص لم يدع، وأنت قد دعيت فاستأذن له، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر صاحب الدعوة أن معهم بالباب رجل إن أذن صاحب الدعوة دخل وإلا رجع، اللهم إلا إذا علمت أن صاحب الدعوة سيفرح إذا أتيت معك بشخص، أو أشخاص آخرين، أو قال: تعال وهات معك من تحب، فعند ذلك لا بأس أن تأتي بمن معك؛ لأن الدعوة قد فتحت بهذا الإذن الذي ذكره لك صاحب الدعوة.
ومع الأسف فإنه يحصل هناك عدد من أنواع التحايل في قضية الدخول من الحيل المحظورة غير الشرعية، وخصوصاً عند النساء، والكيد بينهن ومنهن عظيم كما قال الله، وربما دخلت واحدة ببطاقة والأخرى بالمظروف، ومثل هذا التحايل لا يجوز شرعاً