فر
فراشة الصباح
2010/12/15 · #1
بسم الله الرحمن الرحيم
المُحْسِن سبحانه هو الذي له كمال الحُسن في أسمائه وصفاته وأفعاله ، كما قال تعالى في كتابه: {اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه:8] فلا شيء أكمل ولا أجمل من الله ، فكل كمال وجمال في المخلوق من آثار صنعته ، وهو الذي لا يُحَد كماله ولا يوصَف جلاله ، ولا يحصي أحدٌ من خلقه ثناءً عليه ، بل هو كما أثنى على نفسه .
ليس في أفعاله عبث ولا في أوامره سفه ، بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل والفضل والرحمة ، إن أعطى فبفضله ورحمته ، وإن منع أو عاقب فبعدله وحكمته ، وهو الذي أحسن كل شيء خلقه فأتقن صنعه وأبدع كونه وهداه لغايته وأحسن إلى خلقه بعموم نعمه وشمول كرمه وسعة رزقه على الرغم من مخالفة أكثرهم لأمره ونهيه .
وأحسن إلي المؤمنين فوعدهم الحسني وعاملهم بفضله ، وأحسن إلى من أساء فأمهله ثم حاسبه بعدله .
الدليل على ثبوت الإسم في السُّنَّة النبويـة
اسم الله المحسن لم يرد في القرآن الكريم ولكنه ورد في السنة النبوية مطلقًا يفيد المدح والثناء على الله بنفسه ، فقد ورد عند الطبراني وصححه الألباني من حديث أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا حكمتم فاعدلوا وإذا قتلتم فأحسنوا ؛ فإن الله محسنٌ يحب المحسنين" [السلسلة الصحيحة (469)] .
وكذلك ورد من حديث شداد بن أوس أنه قا ل: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتين قال : "إن الله محسنٌ يحب الإحسان ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ثمَّ لْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" [رواه الطبراني وصححه الألباني ، صحيح الجامع (1824)]
معنى الاسم في حق الله تعالى
قال القرطبي عن اسم الله المُحْسِن أن "معناه راجعٌ إلى معنى المُفْضِل وذي الفَضل والمنَّان والوهَّاب" [الكتاب الأسنى (2:414)]
وقال المُناوي في قوله "إن الله محسنٌ .."، أي "الإحسان له وصفٌ لازمٌ، لا يخلو موجودٌ عن إحسانه طَرْفةَ عين ، فلابدَّ لكل مُكوَّن من إحسانه إليه بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد" [فيض القدير (2:264)]
فالله سبحانه وتعالى أحسنَ إلى جميع الخلق بنعمة الإيجـاد والإمداد ، وأنعم على المؤمنين بنعمة أخرى وهي نعمة الهدايـــة .
والمؤمن يستشعر إحسان الله سبحانه وتعالى به عندما يخرجه من سجن الشهوات إلى عز الطاعة .
ومن سجن الخطايا إلى فرج التوبة .
مصداقًا لقوله على لسان نبيه يوسف {.. وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ..} [يوسف: 100]
أنـواع فضل الله تعالى وإحسانه على الخلق
وللأقليشي توسعٌ جميل في بيان الجود والفضل والإحسان وأنواعه على الخلق ، إذ يقول : وذلك ينحصر في ثلاثة أقسام :
1) قاعدة .. 2) وواسطة .. 3) ومُتممة.
أما القاعدة : فتشتمل من الإحسان والمن على ثلاث شعب :
1) إخراجه من عدمٍ إلى وجود بمقتضى صفة الكرم والجــود قال تعالى : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان : 1]
2) بعد خلقه تصويره في صورة آدم عليه السلام وهي أحسن الصور قال تعالى : {.. وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ..} [غافر : 64]
3) جَعْلُه إيـاه عاقلاً، لا معتوهًا ولا سفيهًا حتى يمتاز عن سائر الحيوانات قال تعالى : { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان : 3]
أما الواسطة فهي للقسمين رابطة ، ويشتمل من الإحسان والإنعام والمنِّ على ستِ شُعَب :
1) هدايته إيـــاه للإسلام وهذا أعظم الإحسان والإنعام ، وهو المراد بما ذُكِرَ في القرآن من الهدى والنور ، والشَّرح للصدور ، وغير ذلك من هذا النوع .
2) جَعَله من أمة محمد خير الأنبياء وخير الأمم قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ..} [آل عمران : 110] أي : كنتم في الغيب حتى خرجتم إلى الوجود على وفاق العلم .
3) إحسانه إليه بأن حفظ كتابه العظيم حتى يكون مُعبِّرًا عن كلام ربِّه بلسانه ، وراغبًا إليه بجنابه وهذا من أعظم إحسانه ، كما قال ابن عباس في تفسير قول الله عز وجل : {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس : 58] إنه القرآن .
4) عَلَّمه بعد حفظه من معانيه ، ومن شريعة نبيه ، ومن حقائق علمه أثرًا ونظرًا ، وقد قال تعالى : {.. يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ..} [المجادلة : 11] وأعظم العلم ؛ العلم بالقرآن ، فكل ما شغلك عن القرآن فهو مشغلة .
5) ما أحسنَ به إليه ، وأنعم عليه من العمل بما عَلِم وهذا هو ثمرة العلم ، وقد قال تعالى : {.. إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ..} [فاطر : 28] .
6) إحسانه إليه وتوفيقه حتى يَنْشرَ ما علم في عباده ويكون نور بلاده ، يُستضاءُ بسراجه ، ويُقْتفَى واضحَ منهاجه .
وأما المتممة : فهو ما أنعمَ به عليه ، وأحسنَ إليه ، من إظهار عوارف وإدرار لطائف ، شرفَ بها نوعه ، وأكمل بها وصفه ، ويشتمل على أربع شُعَب :
1) ما أنعم به عليه من : كمال الصورة ، واعتدال الخِلقة ، وفصاحة اللسان ، وسلامة الهيئة من تشوهٍ أو نقص عضوٍ وهذه نعمة من الله عليه ومن لطفه به .
2) ما أنعم به عليه : من انتظام الحال واتساع المال ، حتى لا يحتاج إلى أحدٍ من الخلق في اكتساب الرزق ، ويحتاج إليه غيره ، فيعُمهم خيره وهذه نعمةٌ يجب شكرها ، إذ ليس كل أحدٍ يُعطاها .
3) ما أنعم به عليه : من عُصبة وعشيرة وهي الرفقة الصالحة التي تأخذ بيده وتحوطه من وراءه وهي مرآة لنفسه ؛ فتبصره بعيوبه وتكن عونًا له على الطريق .
4) ما يُنعم به عليه من المرأة الصالحة الموافقة ، فتسكن إليها نفسه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنما الدنيا متاع ، وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة" [رواه ابن ماجه وصححه الألباني (1855)]
5) ما أنعم عليه من صحة الجسم وفراغ البـال ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ" [صحيح البخاري]
حظ المؤمن من اسم الله تعالى المُحْسِن
المنزلة الأولى : الإحســان مع الله تعالى .
يقول الله تعالى { وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ..} [القصص : 77] راقب ربَّك الوهاب المنَّان المُنْعِم عليك في كل وقتك ، ولا تنس ذلك .
والطريق لأن تكون محسنًا مع ربِّكَ ، يبدأ بـــ ::
1) الإخلاص وذلك بأن تضع الآخرة نُصب عي*** ، تذكَّر دائمًا أبدًا أن هناك جنَّة ونــار وأن الموت آتيـــك لا محالة .
2) التوازن بين متطلبات الحيــاة والسير إلى الآخرة ، فاعطِ كل ذي حقٍ حقه ، فعليك أن تُحْسِنَ في طلب الحلال ، كما أحسنَ إليكَ في الإحلال ، وعليك أن تعمل في الدنيا للآخرة ؛ حتى تبلغ هذا المقام .
3) إتقــان العبـــادة ، عن أبي ذرٍّ قال : "أوصاني خليلي أنْ أخشى الله كأنِّي أراهُ ، فإنْ لم أكن أراه ، فإنَّهُ يراني" [جامع العلوم والحكم (4:49)] فتحتاج أن تتعلم الفقه ؛ لكي تكون عبادتك على هدي النبي ، وغيرها من العلوم التي تعينك على الإحسان في عبادتك لله تعالى .
4) المراقبـــة ، لذلك حينما سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان ، قال : "أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" [رواه مسلم]
5) الشكر لله تعالى فهل جزاء كل تلك النِعَم التي أحسن الله تعالى عليك بها إلا الشكر له سبحانه؟
6) مواجهة المُلِمات بالصبـــر عليها قال تعالى : {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود: 115]
7) مجـــاهدة النفس ، بكظم الغيظ ومحاربة الشُح وكبح شهوة الانتقـــام ، يقول الله تعالى : {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] فمجاهدة النفس لتحقيق تلك الأمور ، من علامات إحســان العبــد .
8) الجهــاد في سبيل الله ، كما في قول الله عز وجل : {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت : 69]
المنزلة الثانيـــة : الإحســان إلى الخلق ..
1) بتعليمهم ما ينفعهم في دينهم ، ويكون سببًا في نجاتهم في الدنيــا والآخرة ، من علوم الكتاب والسُّنَّة وفقه السلف ، وإرشادهم إلى طرق الخيرات والقربات ، وتحذيرهم مسالك الشر والهلكات يقول الله سبحانه وتعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]
2) حُسن معاملة الضعفاء منهم ، كالإحسان إلى اليتيم، يقول الله تعالى {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} [الأنعام : 152]
3) دفع الخصومـة والخلافـــات ، يقول الله عز وجل : {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت : 34] .
فأحْسِن تعاملك مع الخلق ، بداية من رد السلام إلى آخر ما جاء به الإسلام .
ولا تعامل الناس بمعاملاتهم ، وإنما عاملهم بما تحب أن يعاملوك به وبما تحب أن يراك الله عليه .
وإذا وصلت إلى منزلة الإحسان مع الله ومع الخلق ، فأبشِر بخيري الدنيــا والآخرة .
فــ {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة : 195]
وأبشِروا بالفردوس الأعلى ؛ فإنها مثوى المحسنين { لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر : 34]
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المحسنين
المُحْسِن سبحانه هو الذي له كمال الحُسن في أسمائه وصفاته وأفعاله ، كما قال تعالى في كتابه: {اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه:8] فلا شيء أكمل ولا أجمل من الله ، فكل كمال وجمال في المخلوق من آثار صنعته ، وهو الذي لا يُحَد كماله ولا يوصَف جلاله ، ولا يحصي أحدٌ من خلقه ثناءً عليه ، بل هو كما أثنى على نفسه .
ليس في أفعاله عبث ولا في أوامره سفه ، بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل والفضل والرحمة ، إن أعطى فبفضله ورحمته ، وإن منع أو عاقب فبعدله وحكمته ، وهو الذي أحسن كل شيء خلقه فأتقن صنعه وأبدع كونه وهداه لغايته وأحسن إلى خلقه بعموم نعمه وشمول كرمه وسعة رزقه على الرغم من مخالفة أكثرهم لأمره ونهيه .
وأحسن إلي المؤمنين فوعدهم الحسني وعاملهم بفضله ، وأحسن إلى من أساء فأمهله ثم حاسبه بعدله .
الدليل على ثبوت الإسم في السُّنَّة النبويـة
اسم الله المحسن لم يرد في القرآن الكريم ولكنه ورد في السنة النبوية مطلقًا يفيد المدح والثناء على الله بنفسه ، فقد ورد عند الطبراني وصححه الألباني من حديث أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا حكمتم فاعدلوا وإذا قتلتم فأحسنوا ؛ فإن الله محسنٌ يحب المحسنين" [السلسلة الصحيحة (469)] .
وكذلك ورد من حديث شداد بن أوس أنه قا ل: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتين قال : "إن الله محسنٌ يحب الإحسان ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ثمَّ لْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" [رواه الطبراني وصححه الألباني ، صحيح الجامع (1824)]
معنى الاسم في حق الله تعالى
قال القرطبي عن اسم الله المُحْسِن أن "معناه راجعٌ إلى معنى المُفْضِل وذي الفَضل والمنَّان والوهَّاب" [الكتاب الأسنى (2:414)]
وقال المُناوي في قوله "إن الله محسنٌ .."، أي "الإحسان له وصفٌ لازمٌ، لا يخلو موجودٌ عن إحسانه طَرْفةَ عين ، فلابدَّ لكل مُكوَّن من إحسانه إليه بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد" [فيض القدير (2:264)]
فالله سبحانه وتعالى أحسنَ إلى جميع الخلق بنعمة الإيجـاد والإمداد ، وأنعم على المؤمنين بنعمة أخرى وهي نعمة الهدايـــة .
والمؤمن يستشعر إحسان الله سبحانه وتعالى به عندما يخرجه من سجن الشهوات إلى عز الطاعة .
ومن سجن الخطايا إلى فرج التوبة .
مصداقًا لقوله على لسان نبيه يوسف {.. وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ..} [يوسف: 100]
أنـواع فضل الله تعالى وإحسانه على الخلق
وللأقليشي توسعٌ جميل في بيان الجود والفضل والإحسان وأنواعه على الخلق ، إذ يقول : وذلك ينحصر في ثلاثة أقسام :
1) قاعدة .. 2) وواسطة .. 3) ومُتممة.
أما القاعدة : فتشتمل من الإحسان والمن على ثلاث شعب :
1) إخراجه من عدمٍ إلى وجود بمقتضى صفة الكرم والجــود قال تعالى : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان : 1]
2) بعد خلقه تصويره في صورة آدم عليه السلام وهي أحسن الصور قال تعالى : {.. وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ..} [غافر : 64]
3) جَعْلُه إيـاه عاقلاً، لا معتوهًا ولا سفيهًا حتى يمتاز عن سائر الحيوانات قال تعالى : { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان : 3]
أما الواسطة فهي للقسمين رابطة ، ويشتمل من الإحسان والإنعام والمنِّ على ستِ شُعَب :
1) هدايته إيـــاه للإسلام وهذا أعظم الإحسان والإنعام ، وهو المراد بما ذُكِرَ في القرآن من الهدى والنور ، والشَّرح للصدور ، وغير ذلك من هذا النوع .
2) جَعَله من أمة محمد خير الأنبياء وخير الأمم قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ..} [آل عمران : 110] أي : كنتم في الغيب حتى خرجتم إلى الوجود على وفاق العلم .
3) إحسانه إليه بأن حفظ كتابه العظيم حتى يكون مُعبِّرًا عن كلام ربِّه بلسانه ، وراغبًا إليه بجنابه وهذا من أعظم إحسانه ، كما قال ابن عباس في تفسير قول الله عز وجل : {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس : 58] إنه القرآن .
4) عَلَّمه بعد حفظه من معانيه ، ومن شريعة نبيه ، ومن حقائق علمه أثرًا ونظرًا ، وقد قال تعالى : {.. يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ..} [المجادلة : 11] وأعظم العلم ؛ العلم بالقرآن ، فكل ما شغلك عن القرآن فهو مشغلة .
5) ما أحسنَ به إليه ، وأنعم عليه من العمل بما عَلِم وهذا هو ثمرة العلم ، وقد قال تعالى : {.. إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ..} [فاطر : 28] .
6) إحسانه إليه وتوفيقه حتى يَنْشرَ ما علم في عباده ويكون نور بلاده ، يُستضاءُ بسراجه ، ويُقْتفَى واضحَ منهاجه .
وأما المتممة : فهو ما أنعمَ به عليه ، وأحسنَ إليه ، من إظهار عوارف وإدرار لطائف ، شرفَ بها نوعه ، وأكمل بها وصفه ، ويشتمل على أربع شُعَب :
1) ما أنعم به عليه من : كمال الصورة ، واعتدال الخِلقة ، وفصاحة اللسان ، وسلامة الهيئة من تشوهٍ أو نقص عضوٍ وهذه نعمة من الله عليه ومن لطفه به .
2) ما أنعم به عليه : من انتظام الحال واتساع المال ، حتى لا يحتاج إلى أحدٍ من الخلق في اكتساب الرزق ، ويحتاج إليه غيره ، فيعُمهم خيره وهذه نعمةٌ يجب شكرها ، إذ ليس كل أحدٍ يُعطاها .
3) ما أنعم به عليه : من عُصبة وعشيرة وهي الرفقة الصالحة التي تأخذ بيده وتحوطه من وراءه وهي مرآة لنفسه ؛ فتبصره بعيوبه وتكن عونًا له على الطريق .
4) ما يُنعم به عليه من المرأة الصالحة الموافقة ، فتسكن إليها نفسه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنما الدنيا متاع ، وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة" [رواه ابن ماجه وصححه الألباني (1855)]
5) ما أنعم عليه من صحة الجسم وفراغ البـال ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ" [صحيح البخاري]
حظ المؤمن من اسم الله تعالى المُحْسِن
المنزلة الأولى : الإحســان مع الله تعالى .
يقول الله تعالى { وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ..} [القصص : 77] راقب ربَّك الوهاب المنَّان المُنْعِم عليك في كل وقتك ، ولا تنس ذلك .
والطريق لأن تكون محسنًا مع ربِّكَ ، يبدأ بـــ ::
1) الإخلاص وذلك بأن تضع الآخرة نُصب عي*** ، تذكَّر دائمًا أبدًا أن هناك جنَّة ونــار وأن الموت آتيـــك لا محالة .
2) التوازن بين متطلبات الحيــاة والسير إلى الآخرة ، فاعطِ كل ذي حقٍ حقه ، فعليك أن تُحْسِنَ في طلب الحلال ، كما أحسنَ إليكَ في الإحلال ، وعليك أن تعمل في الدنيا للآخرة ؛ حتى تبلغ هذا المقام .
3) إتقــان العبـــادة ، عن أبي ذرٍّ قال : "أوصاني خليلي أنْ أخشى الله كأنِّي أراهُ ، فإنْ لم أكن أراه ، فإنَّهُ يراني" [جامع العلوم والحكم (4:49)] فتحتاج أن تتعلم الفقه ؛ لكي تكون عبادتك على هدي النبي ، وغيرها من العلوم التي تعينك على الإحسان في عبادتك لله تعالى .
4) المراقبـــة ، لذلك حينما سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان ، قال : "أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" [رواه مسلم]
5) الشكر لله تعالى فهل جزاء كل تلك النِعَم التي أحسن الله تعالى عليك بها إلا الشكر له سبحانه؟
6) مواجهة المُلِمات بالصبـــر عليها قال تعالى : {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود: 115]
7) مجـــاهدة النفس ، بكظم الغيظ ومحاربة الشُح وكبح شهوة الانتقـــام ، يقول الله تعالى : {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] فمجاهدة النفس لتحقيق تلك الأمور ، من علامات إحســان العبــد .
8) الجهــاد في سبيل الله ، كما في قول الله عز وجل : {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت : 69]
المنزلة الثانيـــة : الإحســان إلى الخلق ..
1) بتعليمهم ما ينفعهم في دينهم ، ويكون سببًا في نجاتهم في الدنيــا والآخرة ، من علوم الكتاب والسُّنَّة وفقه السلف ، وإرشادهم إلى طرق الخيرات والقربات ، وتحذيرهم مسالك الشر والهلكات يقول الله سبحانه وتعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]
2) حُسن معاملة الضعفاء منهم ، كالإحسان إلى اليتيم، يقول الله تعالى {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} [الأنعام : 152]
3) دفع الخصومـة والخلافـــات ، يقول الله عز وجل : {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت : 34] .
فأحْسِن تعاملك مع الخلق ، بداية من رد السلام إلى آخر ما جاء به الإسلام .
ولا تعامل الناس بمعاملاتهم ، وإنما عاملهم بما تحب أن يعاملوك به وبما تحب أن يراك الله عليه .
وإذا وصلت إلى منزلة الإحسان مع الله ومع الخلق ، فأبشِر بخيري الدنيــا والآخرة .
فــ {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة : 195]
وأبشِروا بالفردوس الأعلى ؛ فإنها مثوى المحسنين { لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر : 34]
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المحسنين